الجصاص

81

الفصول في الأصول

وذكر بعضهم : أنه احتج لخبر الواحد بقوله تعالى : ( ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) ( 1 ) قال والآذن هو الذي يقبل ما يقال له ، فمدحه الله على ذلك ، فدل على قبول خبر الواحد في أمر الدين . قال : والدليل على أنه أراد قوله في أمر الدين وما يتعلق به ، أنه قال : ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) . قال أبو بكر : وليس فيما حكينا عنهم شئ أوهى من هذا ، وذلك لأنه لا يخلو من أن يكون المراد به كان من قبل أخبار الديانات من غيره ، أو أخبار المعاملات ، أو الشهادات ، في إثبات الحقوق . ومعلوم أن النبي عليه السلام لم يكن يأخذ شيئا من أحكام الدين عن أحد : من الناس ، بل كان على الناس كلهم اتباعه ، والأخذ عنه ، فبطل هذا القسم . وليس يجوز أيضا : أن يكون المراد قبول الشهادات في إثبات الحقوق ، لأن الشهادات موقوفة على أعداد معلومة ، لا يجوز الاقتصار بها على ما دونه من الأعداد المنصوص عليها . وعلى أنه ليس الخلاف بيننا وبينهم في الشهادات فلا معنى لذكرها هاهنا ، فثبت أن المراد أخبار المعاملات ونحوها ، والكلام بيننا وبينهم في قبول أخبار الآحاد في إثبات أحكام الشريعة ، فأما قبول أخبار المعاملات فلا خلاف فيه ، فإذا لا دلالة في هذه الآية على لزوم قبول خبر الواحد في إثبات أحكام الشريعة . قال أبو بكر : وأما ما يدل على لزوم خبر الواحد من جهة السنة ، فما روى عن النبي عليه السلام من الأخبار الموجبة لقبول خبر الواحد في الأحكام من وجوه مختلفة . فمنها : قوله عليه السلام ( نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى من بسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه إلى من هو أفقه منه ) . وقوله عليه السلام في حجة الإسلام : ( ليبلغ الشاهد الغائب ) ( 2 ) فلعل بعض من تبلغه أوعى له من بعض من سمعه . وما روى عنه عليه السلام أنه ( أمر أن ينادى في أيام التشريق : أنها أيام أكل وشرب